المقريزي
846
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
ولكلّ مقبرة من هذا المقابر أخبار ، سوف أقصّ عليك من أنبائها ما انتهت إلى معرفته قدرتي إن شاء اللّه تعالى . * * * ويذكر أهل العناية بالأمور المتقادمة أنّ الناس في الدّهر الأوّل لم يكونوا يدفنون موتاهم إلى أن كان زمن دوناي - الذي يدعى سيّد البشر ، لكثرة ما علّم الناس من المنافع - فشكا إليه أهل زمانه ما يتأذّون به من خبث موتاهم ، فأمرهم أن يدفنوهم في خوابي ، ويسدّوا رءوسها ، ففعلوا ذلك . فكان دوناي أوّل من دفن الموتى . وذكر أنّ دوناي هذا كان قبل آدم بدهر طويل ، مبلغه عشرون ألف سنة ، وهي دعوى لا تصحّ . وفي القرآن الكريم ما يقتضي أنّ قابيل بن آدم أوّل من دفن الموتى ، واللّه أصدق القائلين « 1 » . وقد قال الشّافعيّ ، رحمه اللّه : وأكره أن يعظّم مخلوق حتى يجعل قبره مسجدا ، مخافة الفتنة عليه وعلى من بعده . ذكر القرافة روى التّرمذيّ من حديث أبي طيبة عبد اللّه بن مسلم ، عن عبد اللّه بن بريدة ، عن أبيه - رفعه - : « من مات من أصحابي بأرض ، بعث قائدا ونورا لهم يوم القيامة » . قال : وهذا حديث غريب ، وقد روي عن أبي طيبة عن ابن بريدة مرسلا ، وهذا أصحّ « 2 » . قال أبو القاسم عبد الرّحمن بن عبد اللّه بن عبد الحكم في كتاب « فتوح مصر » : حدّثنا عبد اللّه بن صالح ، حدّثنا الليث بن سعد ، قال : سأل المقوقس عمرو بن العاص أن يبيعه سفح المقطّم بسبعين ألف دينار ، فعجب عمرو من ذلك ، وقال : أكتب في ذلك إلى أمير المؤمنين . فكتب بذلك إلى عمر - رضي اللّه عنه - فكتب إليه عمر : « سله لم أعطاك به ما
--> ( 1 ) يشير المقريزي إلى الآية رقم 31 سورة المائدة . ( 2 ) الترمذي : الجامع الصحيح 13 : 145 ( باب المناقب ) ، ونصّ الحديث فيه : « ما من أحد من أصحابي يموت بأرض إلّا بعث قائدا ونورا لهم يوم القيامة » ؛ الموفق ابن عثمان : مرشد الزوار 12 - 13 .